الحسد أصل الخطايا وأول معصية لإبليس . يؤكد الدكتور طارق اللحام، رئيس رابطة خريجي الأزهر في لبنان، أن مشيئة الله سبحانه وتعالى نافذة في كل زمان ومكان، وأنه لا شيء يقع في هذا الكون إلا بإرادته عز وجل.
ومع ذلك فإن الأنبياء وأولياء الله الصالحين لم يكتفوا فقط بالإيمان بالقدر، بل كانوا دائمًا يأخذون بالأسباب المشروعة التي أمرهم الله بها. ومن أبرز هذه الأسباب المداومة على الأذكار، والحرص على تحصين النفس من أذى العين والسحر والحسد، لما لها من أثر سلبي خطير على حياة الإنسان.
وأشار الدكتور اللحام، خلال لقاء متلفز على فضائية “تن”، إلى أن الحسد كان أول معصية في الوجود، حيث كان إبليس أول من حسد حينما نظر إلى نعمة الله على سيدنا آدم عليه السلام، فحسده وأصابه بالعين، ثم كفر بالله ورفض السجود له، لتكون بداية العصيان ومصدر الشرور في البشرية.
كما أوضح أن أول معصية بين البشر ارتبطت أيضًا بالحسد، وذلك عندما حسد قابيل أخاه هابيل على قربانه الذي تقبله الله، فامتلأ قلبه غلاً وحقدًا حتى انتهى الأمر بقتله، ليكون الحسد وراء أول جريمة قتل في التاريخ.
وأضاف أن الحسد ليس مجرد شعور داخلي عابر، بل هو حالة من الاستكثار على الآخرين بنعمة أنعم الله بها عليهم، مع التمني أن تزول هذه النعمة منهم، وهو أمر مذموم شرعًا ويمثل اعتراضًا على قسمة الله وعدله.
بينما على النقيض من ذلك تأتي الغبطة، التي تعني الفرح بما لدى الآخرين من نعم، مع تمني أن يرزقنا الله مثلها دون أن تزول منهم، وهذا الشعور ليس فقط مباحًا بل قد يكون محمودًا، لأنه يجمع بين الطموح والرضا بقضاء الله.
وأوضح اللحام أن الفرق بين الحسد والغبطة يكمن في القلب، فإذا صلح قلب الإنسان وامتلأ بالرضا والإيمان اختفى الحسد من داخله، أما إذا امتلأ قلبه بالغل والاعتراض على الأقدار، ظهر الحسد وأفسد الدين والدنيا. ولذلك كان الأنبياء والصالحون يحذرون من هذا الداء القلبي الخطير، ويحثون على تطهير النفس منه بالعبادة، والدعاء، والإكثار من ذكر الله، والتسليم لقضائه وقدره.
ويضيف الدكتور اللحام أن التربية الإيمانية الصحيحة تحصّن المسلم من السقوط في فخ الحسد، فحين يتذكر أن الله هو موزّع الأرزاق، وأنه سبحانه يعطي ويمنع لحكمة يعلمها، يرضى العبد بما قسم الله له، ويبتعد عن تمني زوال الخير من الآخرين.
فالحسد لا يضر المحسود وحده، بل يعود أثره على الحاسد نفسه، فيحرم من الطمأنينة ويعيش في ضيق صدر دائم، بينما المؤمن الحق يعيش سعيدًا راضيًا، يفرح لخير إخوانه كما يفرح لخير نفسه.
ويؤكد اللحام أن الحسد من الكبائر التي نهى عنها الإسلام بشدة، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم في مواضع عدة، أبرزها قوله تعالى: “أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله”، كما جاء في السنة النبوية الشريفة التحذير الواضح من الحسد، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب”.
ولهذا يشدد الدكتور طارق اللحام على ضرورة نشر الوعي بخطورة الحسد في المجتمعات، وخاصة في عصرنا الحالي الذي يكثر فيه التفاخر بالنعم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما قد يثير مشاعر الحسد بين الناس إذا لم يتحلّوا بالإيمان والرضا.
وهنا تأتي أهمية الأذكار والتحصينات الشرعية مثل قراءة المعوذتين والفاتحة وآية الكرسي، لما لها من دور في حفظ المسلم من شر الحاسد إذا حسد.
ويختم اللحام حديثه بالتأكيد على أن القلوب إذا صلحت صلح معها كل شيء، وإذا امتلأت بالرضا واليقين بعدل الله وقدره، انعدم الحسد وحلّ مكانه الحب والتراحم بين المسلمين، وبذلك يتحقق قول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”.