ذكاء السفاح واستغلال حسن نية الضحايا
من المعروف أن القتلة المحترفين غالبًا ما يعتمدون على استغلال ذكائهم وحسن نية ضحاياهم لتحقيق أهدافهم الشيطانية. وفي قضية “سفاح المعمورة”، كان نصر الدين يتمتع بقدرة عالية على كسب ثقة ضحاياه، مستغلاً معرفته الشخصية عن حياتهم وظروفهم، مما جعله يظهر في عيونهم كشخص موثوق به. ولأنه محامٍ، كان الكثيرون يعتقدون أنه الشخص المناسب لحل مشاكلهم القانونية، وهو ما جعله ينسج علاقات وطيدة مع ضحاياه الذين كانوا يثقون فيه إلى أقصى حد.
لكن للأسف، كان هذا هو الجانب الذي جعل الضحايا عرضة لخديعته، حيث استغل هذه الثقة إلى أقصى حد، ليقتلهم بدم بارد ثم يدفنهم داخل شقق مستأجرة له، تاركًا وراءه حياة هادئة ظاهريًا، وكأن شيئًا لم يحدث. وكان يعتقد أنه قادر على الهروب من أي مساءلة قانونية بسبب معرفته العميقة بالقانون وكيفية التلاعب به. لكنه لم يكن يعلم أن مثل هذا التصرف سيؤدي في النهاية إلى الوقوع في الفخ الذي نصبه لنفسه.
أول جريمة: السيدة العرفية
في أول جريمة قتل له، أقدم المحامي نصر الدين على التخلص من ضحيته الأولى، وهي سيدة تزوجها عرفيًا. في البداية، كان يبدو الأمر عاديًا، لكن سرعان ما اكتشفنا أن هذا الزواج العرفي كان بداية لجريمة قتل مروعة. حيث قام المحامي بدفن الضحية في غرفة داخل مكتبه، معتقدًا أنه سيبقى في مأمن من اكتشاف جريمته، لكنه لم يكن يدرك أن سلسلة من الحوادث الصغيرة ستقوده إلى نهايته.
الجريمة الثانية: الانتقام بسبب الأتعاب
أما الجريمة الثانية، فكانت أكثر بشاعة. ففي هذه المرة، ارتكب المحامي جريمة قتل بحق موكلته بسبب خلاف على الأتعاب. استغل نصر الدين معرفته القانونية وحصل على بطاقة الفيزا الخاصة بها بعد أن تخلص منها، ليتمكن من سحب جميع أموالها. كانت هذه الجريمة مجرد جزء من سلسلة القتل التي استمر في ارتكابها، وكلما زاد عدد ضحاياه، كان يظن أن الأمور ستكون أسهل بالنسبة له. لكن كما يقولون، “الذكي يخطئ أحيانًا”.
الضحية الثالثة: المهندس الوحيد
مع مرور الوقت، لم يكن هناك شيء يوقف نصر الدين، الذي لم يتردد في تكرار نفس الجريمة مع ضحيته الثالثة، وهو مهندس كان يعيش وحيدًا. استغل المحامي الظروف الأسرية لهذا المهندس وعزلته، واستدرجه إلى شقته الخاصة، حيث أقدم على قتله ودفنه في مكان آخر بعيد عن الأنظار. لكن مع ذلك، لم يكن يعلم أن هناك خطأ كان سيؤدي إلى كشفه وفضح جرائمه التي استمرت في الخفاء.
الخطأ الذي كشف الجريمة
إلى هنا، كان المحامي قد رتب كل شيء بعناية، وأخفى جميع الأدلة التي قد تفضح جرائمه. لكنه ارتكب خطأ صغيرًا للغاية، وهو ما كشفه في النهاية. فبينما كان يحاول إخفاء جرائمه وراء صورة رجل صالح، كان يواصل نشر الأدعية والمنشورات الدينية عبر حسابه الشخصي على “فيسبوك”، محاولًا تكريس صورة مزيفة لنفسه كأحد الأشخاص المتدينين والمستقيمين. لكن هذا التناقض بين تصرفاته العنيفة والمثيرة للريبة وبين صورته العامة التي يسعى لترويجها كان بداية النهاية له.
في إحدى الليالي، قرر المحامي اصطحاب سيدتين إلى شقته الخاصة، التي كان قد اتخذها مكانًا لتنفيذ رغباته المحرمة. وفي الوقت الذي كان ينشغل فيه بمكالمة هاتفية، استغلت إحدى السيدتين هذه الفرصة، وتسللت إلى الغرفة المغلقة التي كان يدفن فيها ضحاياه. داخل الغرفة، اكتشفت آثار الحفر والرمال، مما جعلها تشك في أن المحامي ينقب على آثار.
المواجهة والكشف عن الجريمة
عندما عاد نصر الدين إلى الغرفة وطلب من السيدة المغادرة، زادت شكوكها، فقررت الاتصال بستة من أقاربها، الذين حضروا إلى الشقة على الفور. بدخولهم الشقة بالقوة، بدأوا في الحفر في الغرفة المشتبه بها، ليكتشفوا جثمان سيدة مدفونة منذ فترة.
حاول المحامي تقديم مبلغ مالي مقابل عدم الإبلاغ عنه، لكن أقاربه رفضوا عرضه، وطلبوا مبلغا أكبر. وفي خضم المشادة الكلامية التي نشبت بينهما، بدأت الأصوات تعلو، مما دفع الجيران إلى الاتصال بالشرطة، التي حضرت في اللحظات الأخيرة.
القبض على السفاح
بعد وصول الشرطة إلى المكان، تم القبض على نصر الدين مع جميع من كانوا في الشقة. وبدأت السلطات التحقيق في القضية، ليكتشفوا سلسلة الجرائم التي ارتكبها هذا المحامي القاتل، الذي كان يخفي وراء مظهره القانوني صورة قاتل محترف. وبذلك، بدأ البحث عن باقي ضحاياه في إطار تحقيقات موسعة، ليكشف “سفاح المعمورة” عن جانب من أخطر أنواع الجرائم التي تم ارتكابها باستخدام الذكاء والخداع.
وبعد هذه الواقعة، أصبح اسم نصر الدين مرادفًا للشر والاحتيال، ليصبح حديث الصحف ووسائل الإعلام، ويرتبط اسمه إلى الأبد بقضية “سفاح المعمورة” المروعة.